السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
164
مفاتيح الأصول
ويستوي حينئذ الظنّ المستفاد من ظاهر الكتاب والحاصل من غيره بالنظر إلى إناطة التكليف به لابتناء الفرق بينهما على كون الخطاب متوجها إلينا وقد تبين خلافه ولظهور اختصاص الإجماع والظاهر الدالَّين على المشاركة في التّكاليف المستفاد من ظاهر الكتاب بغير صورة وجود الخبر الجامع للشرائط الآتية المفيد للظن الراجح بأن التكليف بخلاف ذلك الظن الظاهر ومثله يقال في أصالة البراءة لمن التفت إليها بنحو ما ذكر أخيرا في ظاهر الكتاب انتهى ولا يقال لا نسلَّم كون خبر الواحد قطعي الدّلالة بل هو ظني الدّلالة كعام الكتاب فيتساويان من جهة الدّلالة ويترجّح عام الكتاب بكونه قطعي السّند وقد أشار إلى هذا في المنية وغاية السّئول محتجين باحتمال الخبر إرادة خلاف ظاهره كعام الكتاب وزاد الأوّل فقال فإن قلت قد بينا فيما تقدم أن الشارع لا يخاطب بما له ظاهر ويريد خلاف ظاهره من غير قرينة تدلّ على ذلك وحينئذ يكون المراد من الخبر المخصص ظاهره قطعا قلت تعيين إرادة ظاهره موقوف على كونه صادرا عن الشارع وهو ظني والموقوف على الظني لا يكون قطعيا انتهى لأنا نقول ما ذكر إنما يتجه على تقدير القول بأن جميع دلالة الألفاظ ظنية وأمّا على تقدير القول بالمنع من ذلك وبأنه يتحقق دلالة قطعية في الألفاظ فلا لإمكان فرض خبر واحد يكون دلالته قطعية لا يحتمل المجاز والنقل وغيرهما وعدم كون السّند قطعيّا لا ينافي كون الدلالة قطعيّة لأن المراد أن اللَّفظ لا يصلح إلَّا لإرادة معنى واحد وأن كلّ من يطلقه لا بد أن يريده لا غير لا يقال لو سلَّم هذا فالجواب يختص ببعض صور محلّ البحث ولا يكون جاريا في جميعها فلا يجوز الاعتماد لأنا نقول إذا تمّ الجواب في بعض الصّور ووجب الحكم بتخصيص عام الكتاب بخبر الواحد فيه وجب ذلك مطلقا ولو كان خبر الواحد ظني الدلالة يجب فيها الحكم بترجيح عام الكتاب لترجّحه بكونه قطعيّ السّند فيجب مطلقا لعدم القائل بالفصل كما اعترف به لأنا نقول الأخذ بالأول أولى من هذا لاعتضاده بالشهرة العظيمة القريبة من الإجماع لأنّ القائل بعدم جواز تخصيص عام الكتاب بخبر الواحد على تقدير حجيّته في غاية الشّذوذ ومع ذلك فهو معتضد بأمور أخر تقدم إليها الإشارة ثم إنا نقول ليس المراد بقطعية دلالة خبر الواحد إلَّا كونه أقوى دلالة من عام الكتاب وذلك مما لا شبهة فيه ولذا يجب الحكم بتخصيصه بذلك الخبر لو فرض قطعيّة سنده وقد صرّح بما ذكر الأسنوي وسراج الدّين في شرح المنهاج وعلى هذا يتجه ما ذكروه من الجواب كما لا يخفى ولا يقال غاية ما يلزم من الجواب عدم ترجيح عام الكتاب لا تخصيصه بخبر الواحد كما أشار إليه بعض لأنا نقول ليس المراد المقصود في الجواب سوى بطلان الحجّة وقد حصل ومع هذا فقد أجاب عن هذا الإيراد الأسنوي والعبري وسراج الدّين فقالوا فإن قلت القول بالتخصيص يقتضي ترجيح الخاص على العام والتعادل ينافيه بل يجب التوقف وهو مذهب القاضي قلت لا منافاة في التعادل بحسب الذّات والترجيح بسبب خارج وهو كون الأصل في الدليل الإعمال فيرجح الخاص لما عرفت انتهى وقد يناقش فيما ذكروه بأن مجرّد الجمع بين الدّليلين لا دليل عليه وإن اشتهر بينهم وقد نبّهه على ذلك جدي رحمه الله في رسالته في الجمع بين الأخبار وقد أطال الكلام فإذن ينبغي الحكم بالتوقف لا الحكم بالترجيح ولكن التّحقيق أنّ الظنّ بالحكم الشرعي الحاصل من خبر الواحد الخاصّ أقوى من الظنّ الحاصل من عموم الكتاب بلا شبهة فيجب العمل به بناء على أصالة حجيّة الظنّ وأما على القول بلزوم العمل بالظنون المخصوصة فالتحقيق أنّه يجب التوقف لعدم معلومية حجيّة الظنّ الخاص الحاصل من عام الكتاب والحاصل من خبر الواحد الخاص بالخصوص ولكن هذا في معنى التخصيص كما تقدم إليه الإشارة ومع هذا فقد يدّعى قيام الأدلة على حجيّة عام الكتاب بالخصوص وعلى حجيّة خبر الواحد بالخصوص غاية الأمر أنّه حصل بينهما التعارض فيجب التّرجيح ومن الظاهر أن وجوه التّرجيح مع خبر الواحد الخاص فيجب الحكم بتخصيص العام به فالحكم به صحيح على كلا القولين فتأمل الثالث ما ذكره في الذّريعة والنهاية والمحصول وغيرها من أن الدّليل القطعي لما دل على وجوب العمل بخبر الواحد لم يكن العمل به مظنونا فإنّ اللَّه تعالى لو قال مهما ظننتم صدق الرّاوي فاعلموا أن حكمي ذلك ثم ظننت صدق الراوي صار ذلك العلم قطعيّا فيكون تخصيص الكتاب به تخصيص معلوم بمعلوم ومنها أنّه لو جاز تخصيص الكتاب بخبر الواحد لجاز النّسخ به أيضا والتالي باطل فكذا المقدم بيان الملازمة أنّ النّسخ نوع من التخصيص فإنه تخصيص في الأزمان والتخصيص المطلق أعم منه فلو جاز التخصيص بخبر الواحد لكانت العلَّة أولويّة تخصيص العام من إلغاء الخاص وهي قائمة في النّسخ وضعف هذه الحجّة في غاية الظهور وقد تصدى جملة من المحققين للجواب عنها فأجابوا بوجوه الأوّل ما ذكره في النهاية والزبدة وحكاه في المحصول عن الأصوليين من أن العقل ليس يأبى ذلك وإنما الإجماع على عدم جواز النّسخ به أوجب الفرق والتفصيل وردّه في المحصول فقال وهذا الجواب ضعيف لأنا قد بيّنا أن الذي عرفوا في أنهم قبلوا خبر الواحد في التخصيص